القاضي عبد الجبار الهمذاني
75
المغني في أبواب التوحيد والعدل
باختباره ؛ فلو أراد أن يسقطه لسقط ، ولو أراد أن يستوفيه لحسن ، فغير ممتنع أن يتعلق أيضا ثبوته واستحقاقه بما يفعله من قبله . فمتى رغّبه في نقل المعصية أو استفسده فيها أو منعه اللطف ، يصير كأنه قد أسقط حق نفسه من العقاب بعد ثبوته . فيقبح منه ذلك . ومتى سلم التكليف من « 1 » هذه الأمور يكون العقاب ثابتا ، وتكون العلة في ذلك : أنه أتى ما « 2 » استحقه من قبل المكلف ، فلا يحسن منه أن يؤاخذه ، وإنما يحسن منه ذلك إذا أتى في المعصية من قبل نفسه ، ويكون هذا في بابه بمنزلة الحمل « 3 » على الشيء في أنه يخرج المحمول من أن يستحق الذم واللوم من حيث صار بالحمل ، كأن الفعل لغيره لا له . فكذلك بالاستفساد يصير ذلك الفعل كأنه معذور فلا يحسن منه تعالى أن يعاقبه . فإن قال : أفتقولون إنه يحسن منه أن يذمه ؟ قيل له : نعم ، كما يحسن من غيره أن يذمه ؛ لأن الوجه الّذي عليه يستحق الذم لا يتعلق بالمكلّف ، حتى إنه لو لم يكلّف وفعل القبيح لاستحق الذم . وإذا استحقه من قبل غيره تعالى ، فما الّذي يمنع أن يحسن منه أيضا ، ويفارق العقوبة من الوجه الّذي بيناه ؟ . فإن قال : فيجب في المساء إليه لو أباح للمسيء الإساءة ألا يحسن منه أن يذمه على هذا القول . قيل له : لا يلزم على ما ذكرناه ؛ لأنه ليس للمساء إليه أن يسقط حقه بعد ثبوته . فكذلك لا يبعد أن لا يكون إسقاطه بأمر تقدّمه . وليس كذلك حال العقاب . وبعد ، فلو فعل / به ( ) « 4 » عليه لأنه قبيح ، فحاله فيه كحال غيره لم يبعد .
--> ( 1 ) في الأصل : عن . ( 2 ) في الأصل : فيما . ( 3 ) أي الدفع عليه . ( 4 ) مطموس .